مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

20

تفسير مقتنيات الدرر

يزيد على مسكين واحد ، مثل أن يطعم مكان كلّ يوم مسكينين مثلا . * ( [ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ] ) * أي وصومكم خير لكم من الإفطار والفدية وهذا الجواز كان قبل النسخ ، فأمّا بعد النسخ فلا يجوز أن يقال : الصوم خير من الفدية لأنّ الإفطار لا يجوز أصلا ، ومحكومون بالصوم * ( [ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ] ) * أنّ الصوم خير من الفدية وافترض الصوم بعد خمس عشرة سنة من النبوّة بعد الهجرة بثلاث سنين . قيل : أوّل ما فرض الصوم على الأغنياء لأجل الفقراء في زمن الملك طهمورث ثالث ملوك بني آدم ، وقع القحط في زمانه فأمر الأغنياء بطعام واحد بعد الغروب وبإمساكهم بالنهار إيثارا على الفقراء وشفقة لهم بطعام النهار وتواضعا للَّه . والصوم سبب للولوج في ملكوت السماوات وواسطة الخروج عن رحم مضائق الجسمانيّات ، المعبّر عنه بالنشأة الثانية كما أشير إليه بقول عيسى عليه السّلام حيث قال : لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرّتين . ومجاهدة الصوم رابطة مشاهدة الصفاء وإليه يشير الحديث القدسيّ : الصوم لي وأنا اجزى به ، يعني : أنا جزاؤه لا حوري ولا قصوري . وقال سبحانه في مخاطبة عيسى عليه السّلام : تجوّع تراني . وإنّما يكون اللَّه جزاء صومه إذا أمسك قلبه ولسانه وروحه وسرّه عمّا سواه ، وأهل التأويل أوّلوا « صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية » أي رؤية جلال الحقّ . فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا أي أعضاؤه الظاهرة والباطنة ، فصوم الأعضاء مثل اللسان عن الكذب والفحش والغيبة والنميمة واللغويّات وأمثالها ، والعين عن النظر في الغفلة والريبة ، وصوم السمع عن استماع الملاهي والمناهي وقس الباقي ، وصوم النفس عن الآمال والتمنّي والشهوات ، وصوم القلب عن حبّ الدنيا ، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذّاتها ، وصوم السرّ عن رؤية وجود غير اللَّه . وهذه المقامات تختلف على درجات المعرفة فمن كمال لطفه تعالى أن جعل صومكم في أيّام قلائل معدودات وثمرات صومكم إذا صمتم حسبما شرح في أيّام غير متناهية . وأعلم أنّ الخلق في توجّههم إلى ما هو قبلتهم طائفتان : إحداهما العوامّ الَّذين قصّروا نظرهم على العاجل من الدنيا والشهوات ومقتهم الرسول بقوله : ما ذئبان ضاريان